صديق الحسيني القنوجي البخاري
548
فتح البيان في مقاصد القرآن
الركب ميتين ، قد تقدم تفسيره في قصة صالح ، قال قتادة : بعث اللّه شعيبا إلى أصحاب الأيكة وإلى مدين فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة ، وأما أهل مدين فأخذتهم الرجفة صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا جميعا ، وروي أن اللّه تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر حتى هلكوا . الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا جملة مبينة لما حل بهم من النقمة يقال غنيت بالمكان إذا أقمت به ، وغنى القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها ، والمغنى المنزل ، والجمع المغاني ، وهي المنازل التي بها أهلها ، والمعنى كأن لم يقيموا في دارهم أصلا ولم ينزلوها يوما من الدهر ، فإن اللّه سبحانه استأصلهم بالعذاب وقيل المعنى كأن لم يعيشوا فيها متنعمين مستغنين ، يقال غني الرجل إذا استغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر والأول أولى . الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ هذه الجملة مستأنفة كالأولى متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين ، وإعادة الموصول والصلة كما هي لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 93 ] فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ( 93 ) فَتَوَلَّى أي فأعرض عَنْهُمْ شعيب شاخصا من بين أظهرهم لما شاهد نزول العذاب بهم وَقالَ أي قبل نزول العذاب أو بعده على قولين سبقا في قصة صالح عليه السلام يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي التي أرسلني بها إليكم وَنَصَحْتُ لَكُمْ ببيان ما فيه سلامة دينكم ودنياكم فَكَيْفَ آسى أي أحزن عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ باللّه مصرين على كفرهم متمردين عن الإجابة ، والأسى شدة الحزن أسى على ذلك فهو آس . قال شعيب : هذه المقالة تحسرا على عدم الإيمان ثم سلى نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم باللّه وعدم قبولهم لما جاء به رسوله أو أراد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصحي فكيف أحزن عليكم ، يعني إنكم لستم مستحقين لأن يحزن عليكم والأول أولى . عن ابن عباس قال : في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل وقبر شعيب فقبر إسماعيل في الحجر ، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود وعن وهب بن منبه أن شعيبا مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين باب بني سهم .